![]() |
|
|
صوتكم هو موقع اجتماعي اخباري يتيح للزوار اضافة أخبار أو مواضيع والتصويت أو التعليق عليها وذلك بطريقة سهلة وسريعة
اقرأ المزيد
دخول
الأقسام
|
لقد أصبح من السهل والرائج الآن أن تقول الكتب الجامعية لطلبة مرحلة البكالوريوس في الجامعات الأمريكية (والغربية عموماً) في مساقاتهم التمهيدية في الأنثروبولوجيا إن الأنثروبولوجيا بوصفها علماً لم يتم تقديمها بهذه الصفة حتي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك لسبب بسيط جداً، وهو أن الغرب لم يعترف بالثقافات والشعوب الأخري باعتبارها قائمة علي قدم المساواة معه في الإنسانيَّة. غير أن تلك الكتب لا تشير في الغالب إلي تشارلز دَارْوِن وحاجة الأوروبيين إلي اختبار نظريته في النشوء والارتقاء علي مُخْتَبَر حيٍّ من أجساد البدائيين ، و المتخلفين ؛ أولئك الذين غادروا الغابة لِتَوِّهِم، لذلك علينا أن ننتظر قليلاً كي نري ما سيفعلونه! (إن كان بإمكاني استخدام جملة مريرة قالها يونغ في سياق مختلف قليلاً بعد خلافه الشهير مع فرويد). بلي، فقد خدمت تلك الأجساد لا بوصفها معطيات أنثروبولوجية فحسب، بل كذلك بوصفها حاضنة للسينما الاثنوغرافية الغربية.
ومع أنني لست من دعاة نظرية المؤامرة في كل صغيرة وكبيرة، إلا أنه لا بد من ملاحظة أنه من النادر أن تشير تلك الكتب الأكاديمية، علي سبيل المثال، إلي حقيقة أن خزينة القوات المسلحة التابعة لحكومة صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا العظمي كانت تدفع مباشرة، وبسخاء كبير، للأنثروبولوجيين البريطانيين الذين كانوا يقومون بـ أبحاث ميدانية في بلدان مثل الهند وإيران ومصر في فترة بلوغ الإمبراطورية ذروتها التي حجبت الشمس في تلك البرهة. ولذلك فإنها ليست مصادفة علي الإطلاق أن إيران كانت، في الحقيقة، مسرحاً لإنتاج واحد من الأفلام الإثنوغرافية الغربية المبكِّرة. غير أنه ينبغي الاعتراف أن السينما الوثائقية والإثنوغرافية الغربية كانت مُتَعَقِّلَة بما فيه الكفاية؛ فهي لم تشأ أن تكرر نفس أخطاء الأنثروبولوجيا، أي التأخر في الاعتراف بـ الآخرين بوصفهم كائنات ومخلوقات تقف مع الغرب علي قدم المساواة فيما يتعلق بإنسانية الطرفين. ولذلك فإن خطاب السينما الوثائقية والإثنوغرافية الغربية، كما تبوح به ممارساته التأسيسية المبكرة، بني نفسه منذ البداية بصورة صريحة ومفتوحة علي فرضية دونيَّة الآخر (عُدْ، إن شئت، إلي استشهادي بفلاهارتي من حديثه الإذاعي الموثَق بالكامل لمحطة بي بي سي في الحلقة الأولي من هذه المادة)، فالسينما الوثائقية والإثنوغرافية الغربية تحول دون حق الآخر في التاريخ، وفي الذاتية، وفي السرد (1). ـ 3 ـ أستميحكم المعذرة هنا في أن أدَلِّلَ نفسي كما يقولون، وذلك بإضافة ملاحظة مأخوذة من تجربتي الشخصية المباشرة في العالم، وإنني أفعل هذا من باب أن ما يدعوه بعضهم موضوعات أكاديمية و نظريَّة و فكريَّة و تجريدية ، إنما يمس، في الحقيقة، التفاصيل الخاصة بحيوات ملايين من البشر. بلي، فنادراً ما سافرت عبر مطارات غربية قبل وبعد أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) من دون أن أُخْرَجَ من طابور المسافرين الآخرين، وأُسأل، وتعاد مساءلتي، وتدقق أوراقي، وتفتش حقائبي بطريقة تدل علي أنه يُبْحَثُ فيها عن ذرَّة تراب، وتُوجَّه إليَّ نظرات تجعلني أحياناً أتمني لو أن أمي لم تلدني. ومثل زِنْجِيِّ فرانز فانون سابق الاقتباس في الحلقة الأولي من هذه المادة فـ إن الناس في صالة العرض (التي هي صالة المطار هذه المرة) يتفرجون علي، يتفحصونني، ينتظرونني . ها هي النظرة المُحَدِّقة (gaze) تنتقل تاريخيَّاً من جسد الآخر في السينما إلي جسده في الوجود (existence). إنني أوجه أصبع الاتهام للسينما الوثائقية والإثنوغرافيَّة الغربية في علاقتها بي ـ أنا الآخر ـ لمسؤوليَّتها في ما يحدث لي. ـ 4 ـ إذا كان يجدر بالمرء أن يقدِّر طبيعة اللغة، ويقرأ لذلك ما بين السطور وثنايا الخطاب، فسيكون من الشائق بمكان ملاحظة ذلك التماهي بين ضفتي المحيط الأطلسي ( العالميْن: القديم والجديد) في ما يخص شأن السينما الوثائقية والإثنوغرافية الغربية؛ ففي الوقت الذي قال فيه فلاهارتي ما اقتبستُه منه أعلاه حول صلاحية الأفلام لتصوير حيوات البدائيين ، إذا بجان روش، أحد رموز السينما الإثنوغرافية الفرنسية، يكتب عن تلك الأداة الاستثنائية التي أصبحت متوفرة لأغراض ونوايا إثنوغرافية غربية (مقاله الشهير الكاميرا والإنسان ). إنني لا أطمح إلي الهجوم المجاني غير المشروط علي السينما الوثائقية والإثنوغرافيَّة الغربيَّة، فتلك السينما أمر واقع. وعلي الرغم من النقد الذي يوجهه لها ضحاياها الكثيرون من خارج المركز الغربي فهي مجال من مجالات الفنون والمعارف في خدمة الإنسانية . ولكن كيف يمكن غــضُّ النــــظر عن أن تصريحي فلاهارتي وروش ينتجان صدي قويـــاً لنطــق خطابات غربية أخري هي خطابات التـــوسع و الاكتشاف و العبء الثقيل للرجل الأبيض، و المهمَّة النبيلة و الأمر الإلهي ؟. ليست الإثنوغرافيا في نهاية المطاف إلا فكرة للسرد والتاريخ، تماماً وبالضبط كما أن الســـينما الوثائقـيَّة نفسها، كما يعرِّفهـــــا أحد رموزها الغربيين الكبار، الإنكليزي جريرسون، المعالجـة الخلاَّقة للواقع ، غير أني أخشي أن تلك المعالجة كانت في كثير من الأحيان خلاَّقة أكثر مما ينبغي. و الفكرة هذي ذاتها ـ من الإغريق القدامي، إلي الحروب الصليبية (القديمة والجديدة)، إلي عصر التنوير ، إلي البرهة ما بعد الحداثيَّة الراهنة ـ هي علي الأرجح ما يحمل روش علي قول ما أعتبرُه تبشيراً اعتذارياً يدعو إلي الإعجاب والإكبار: لأننا نؤمن أن عالم الغد سوف يكون ذا قيمة إذا ما اعترف بالاختلاف بين الثقافة المختلفة وإذا نحن لم ننكر وجودها بمحاولة تحويلها إلي صُوَرٍ منّا . يا للمانيفستو المستحيل والمتأخر للإثنوغرافيا والسينما الإثنوغرافية الغربيَّة!. ـ 5 ـ مما يقوله روش: سوف يكون الأمر شائقاً فعلاً أن ندرس أسلوب تعليقات الأفلام الإثنوغرافيَّة منذ ثلاثينيات القرن العشرين. وسنلاحظ عبور تلك الأفلام من مرحلة الباروك الكولونيالي، إلي مرحلة المغامراتيَّة الغرائبيَّة، إلي مرحلة التقرير العلمي الجاف . لكن، وعلي الرغم من التعليقات في السينما الإثنوغرافية لم تبدأ في ثلاثينيَّات القرن العشرين كما يبدو أن روش يعتقد، فكل الأفلام الإثنوغرافيَّة حتي الصامت منها انطوي علي تعليق من نوع ما، وهو ما تدعوه فاطمة توبنغ روني ببصيرة استثنائية السرد الضمني للنشوء والارتقاء ، فإن من الواضح لمن يشاهد تلك الأفلام بالغزارة والدأب البحثيين المطلوبين أن السينما الإثوغرافيَّة الغربيَّة في مراحلها الكولونيالية، والمغامراتيَّة، والعلميَّة، كانت تُعَذّبُها الرغبة في المعرفة والحاجة إليها، والحاجة إلي أن تحدد نفسها في مقابل الآخر ؛ فهي ذاتٌ (subject) في حاجة جشعة ومتجددة إلي موضوعات (objects) من أجل أن توجد، ومن أجل أن تبقي. وهكذا فإن كلمات وصور السينما الإثنوغرافيَّة الغربية كانت مُكَرَّسَة تاريخيَّاً من أجل بناءِ أنا (self) ومن أجل إدامة صورة عن تلك الـ أنا . ومثل الثقافة والجيوش الغربية كان علي الإثنوغرافيا والسينما الإثنوغرافية الغربية القيام بغزو إقليم جديد (مجازاً) كلما انبثقت الحاجة إلي تعديل، أو توسيع، أو اختبار التعريف الذي وضعته عن نفسها؛ وذلك من دون أدني أثر لـ النَّدَمِ الذي تحدث عنه كلود ليفي ـ شتراوس!. ـ 6 ـ لقد نَحَتَ روش مفهوم سينما الحقيقة (cinema-vژritژ) الذي أصبح شائع الاستعمال اليوم بحيث ان الأمر صار يتعلق بواحدة من النظريات الثلاث الكبري للسينما الوثائقية، أو أنه ـ أي روش ـ فَرْنَسَ (أي جَعَلَه فَرَنسيَّاً) الأصل الروسي الفيرتوفي (نسبة إلي دزيغا فيرتوف) (keno-pravda)، الأمر الذي ينطوي علي إشكالية كبيرة لا أطمح إلي التعرض لها في هذا المقام. ولم يكن روش سينمائياً إثنوغرافيَّاً وفنّاناً كبيراً فحسب، ولكنه كان أيضاً مثقفاً من الطراز الرفيع، وعلي اضطلاع واسع بنظرية السينما التي كانت بلاده رائدتها في عصره، وصاحب اهتمامات فكرية عميقة جعلته يتابع الفلسفة والأدب، وصاحب تأثير مباشر علي حركات سينمائية عديدة في بقاع كثيرة من العالم بما في ذلك العالم الثالث ، وعلي سينمائيين عمالقة من حجم جان لوك غودار. لهذه الأسباب أجدني غير قادر علي المرور مرور الكرام بتعليق أدلي به حول فيلم مجانين تيتيكيت للأمريكي فردريك وايزمان (1967)، وهو فيلم وثائقي يدور حول المعاملة اللاإنسانية التي يتعرض لها نزلاء إحدي المصحات العقلية في الولايات المتحدة، وقد أثار جدلاً كبيراً في حينه؛ حيث يبدو لي تعليق روش مخيِّباً للآمال بصورة خاصة ومُفاجئاً، بل إني سأجرؤ علي القول إنه تعليق ساذج: ليس هناك من أمل في الفيلم. ليس فيه أي شيء إيجابي علي الإطلاق. لا شيء. إنه تقرير مُوَثَق سلبي بالكامل عن وضع معيَّن (من مقابلة صحفية أجراها معه جي روي ليفين نشرت في عدد 17 تشرين الثاني (ديسمبر) 1969 من استكشافات وثائقيَّة ). سأستطرد هنا أنه من الطريف والمُفارِق أن كتاب ميشيل فوكو الجنون والحضارة الذي هزَّ الأوساط الثقافية الفرنسيَّة ـ والعالمية لاحقاً ـ كان قد صدر في 1965، وأنني لا أستطيع سوي الشعور بالدهشة أن روش لم يقرأ علي الأقل عرضاً للكتاب المفصلي هذا طَوال أربع سنوات. لكن أمِنَ الضروري أن يكون هناك شيء إيجابي في فيلم عن المعاملة المؤسساتيَّة البشعة التي يتعرض لها نزلاء مصحة عقلية؟. إن كلمة إيجابي تثير مقداراً خاصاً من الامتعاض حين ترد في تعليق شخص بحجم روش الذي يُعْجَبُ بشعراء مثل آرثر رامبو وأنجز فيلماً مثل وقائع صيف (1961) الذي تحتل الذاكرة المعذَّبة صدارته الثيماتيَّة. تري ما الذي يمكن أن تعنيه كلمة مثل إيجابي في سياق الفن، والمعرفة، والإنسان، والعالم، والاضطهاد، والمؤسسات القمعية، و سينما الحقيقة ؟!. طبعاً لا يحق لأحد مصادرة حق روش في أن يري في فيلم مجانين تيتيكيت ما يشاء. تماماً كما أني أتمني أن لا يصادر أحد حقي في اختتام ملاحظاتي الأوليَّة علي السينما الوثائقية والإثنوغرافية الغربيَّة في علاقتها بـ الآخر بمثال حول رؤية السينما الوثائقية الغربيَّة لنفسها، وهذا المقام سيكون له مقال غير هذا. شاعر وسينمائي من عُمان (1). ثمة في السينما الإثنوغرافية الغربيَّة مؤخراً تيار جديد مضاد للتيار السائد تاريخياً، ورموز هذا التيَّار الجديد هم من فنّاني ومفكري العالم الثالث الذين تمكنوا من اختراق الأكاديميا والمؤسسات الثقافية الغربية كالناقدة والمخرجة السينمائية الفيتناميَّة تْرِنْهْ تي مِنْهَا في فيلمها إعادة تركيب (1983). غير أن التعرض للتيار الجديد ذاك يقع خارج غرض هذه المادة المبدئية المكرَّسة لإيراد ملاحظاتي الأوليَّة حول التيار السائد تاريخيَّاً في السينما الإثنوغرافية الغربية.
تصنيف: فن وأدب
ناقش
اخفي
|
تعليقات