![]() |
|
|
صوتكم هو موقع اجتماعي اخباري يتيح للزوار اضافة أخبار أو مواضيع والتصويت أو التعليق عليها وذلك بطريقة سهلة وسريعة
اقرأ المزيد
دخول
الأقسام
|
على كل تقاطع طرق رئيس في بيروت، زحمة تستغلها عموماً مجموعات من الشبان والشابات والأطفال، يبيعون أشياء متنوعة أو يتسولون. فاللون الأحمر في الإشارة الضوئية أو صفارة الشرطي إلى جانب زحمة السير، عاملا جذب أساسيان لمثل تلك المجموعات التي باتت تُعرف بـ «السوبر ماركت المتنقلة».
أقراص مدمجة، ساعات، عطور، أدوات كهربائية للاستعمالات الشخصية كآلات الحلاقة، عصي، فوط تلميع ولعب مخصصة للسيارات... هي البضاعة المعروضة من هذه المجموعات. عشرات يتوزعون بين السيارات، يحاولون «الاسترزاق»، وما إن تُضيء الإشارة الخضراء، حتى يبتعدوا من الطريق، متجهين إلى الجهة المقابلة حيث الإشارة حمراء وسيارات أخرى تنتظر. جمال، حسن، أنور، جهاد، ياسر، وأحمد مجموعة من الشبان الذين يعملون على إشارة جسر الرينغ، الطريق الوحيدة المؤدية إلى وسط بيروت، بعد إقفال المنطقة بسبب إعتصام المعارضة المستمر منذ عام وبضعة أشهر. شبان تتراوح أعمارهم بين 17 و25 سنة، انتقلوا للعمل في هذه المنطقة، لأنها باتت تعتبر من أكثر طرق بيروت زحمة. «هذه المنطقة باب رزق هذه الأيام»، يقول حسن مفسراً. ويضيف ساخراً: «نحن ننتقل بحسب درجة الزحمة، غيرنا ينتقل بحسب درجات الحرارة فيذهب للاصطياف في الجبال». ولحسن (17 سنة)، أربع شقيقات وشقيق. الأخير لا يزال في المدرسة «لأنه يجب أن يتعلم أفضل من أن ينزل معي إلى العمل في الطرقات». والمهم بالنسبة لحسن، كما لأصدقائه، أن تبقى أخواتهن في المنزل معززات، مكرّمات. وهم ينفون أن تكون إحدى أخواتهن بين الفتيات على الطرف الآخر من الطريق. «نحن لبنانيون من قرى ومناطق نائية، أمّا أولئك الفتيات، فهن من البدو الرحل»، يوضح حسن. واللهجة السورية أو الفلسطينية التي يتكلمون بها، لا تعتبر بالضرورة مؤشراً إلى جنسيتهم، إذ أن في كثير من القرى اللبنانية المحاذية للحدود مع سورية وفلسطين يكتسب السكان لهجة تقترب من لهجات البلد الجار. فضلاً عن أن عدداً من اللبنانيين يقطن في المخيمات الفلسطينية «حيث كل شيء أقل ثمناً»، فيكتسب اللهجة الفلسطينية. ويعمل هؤلاء الشـــباب، جنباً إلى جنب، بتنظيم «عرفي»، فلا يقترب أحد من سيارة يتحــدث آخر مع سائقها تجنباً للمضاربة. و»كل فرد يأخذ نصيبه في نهاية اليوم»، يقول حسن. وتتراوح يومية كل منهم بين 20 ألف ليرة (قرابة 17 دولاراً) في الأيام الصعبة وقد تصل إلى 200 ألف «في حال ضرب ضربة»، فبضاعة هؤلاء الشباب لا سقف لها، قد يطلب 50 ألف ليرة سعراً لأي غرض يبيعه، وفي النهاية يعطيه للسائق بـ 1000 ليرة. وبرأي أصحاب السوبرماركت المتنقلة «أنها لعبة حظ». يبدأون عملهم في التاسعة صباحاً على أن ينتهوا من دوام العمل في الساعة الخامسة عصراً على أبعد تقدير، في أيام الصيف، وفي أيام الشتاء الساعة الثالثة. «هذا عمل حر وأفضل بكثير من العمل عند الناس»، يقول أنور (23 سنة)، الذي يعمل في هذا الميدان منذ أكثر من خمس سنوات بعد وفاة والده. واختار أنور هذا العمل لأنه لا يحتاج إلى رأس مال، «فعلى قدر ما تملك تستطيع أن تشتري ومع الوقت يصبح بإمكان البائع، أن يمول نفسه ببضائع أكثر، فيزيد من أرباحه». وينفي العاملون على الإشارة أن يكونوا خاضعين لأي كان، وإن كانوا يتعاملون مع «تجار جملة» في مناطق صبرا ومحطة الرحاب والأوزاعي ومنطقة عين الدلبة، المحيطة ببيروت والتي توفر بضائع رخيصة». السائقون هم الزبائن، وبالتالي يسعى الباعة بشكل عام إلى تطبيق مقولة «الزبون دائماً على حق»، فيستمرون بمفاوضته حتى آخر لحظة، وغالباً ما ينتهي الجدال، بالمشهد نفسه: السائق يتحضر ليمشي بعد «فتح» الإشارة، والشاب يركض إلى جانب الزجاج محاولاً التفاهم معه قبل أن يخسره. ركض لا يلبث أن يتحول فجأة إلى جري سريع، وكلام يتحول غير مفهوم، ويبدأ «زملاء» الراكض بالجري خلفه، بطريقة عشوائية بين السيارات المسرعة التي تسعى للوصول إلى «الضفة» الأخرى، ولا يلبث البحث عن سبب الجري أن يزول بعد رؤية رجل أمن أو أكثر يلحقون بهم. «يلحقون بنا من أجل أن ينظموا بنا محضر ضبط، فعملنا غير شرعي، وبالتالي يمكنهم تغريمنا في أي وقت»، يقول أحدهم عند السؤال عن سبب الركض. وفي حين، يهدّئ بعض الشباب من سرعته ما إن يرى أن رجال الأمن توقفوا، يستمر الأطفال بالجري، إلى أن يصلوا إلى خرابة بعيدة إلى حد ما، تمكنهم من الابتعاد في حال اقتراب المداهمة منهم. «هؤلاء شحاذون» يقول أنور، ويضيف: «يشتكي أحدهم من أن هؤلاء الأطفال يلتصقون بالسيارات، لا سيما إذا مرت سيارة شخص كبير، فتتحرك الدورية من أجل القبض علينا». يخرج جمال من جيبه ورقة صغيرة بيضاء، مُهر عليها ختم liban post، ويشرح: «لقد دفعت هذه المخالفة من يومين». المبلغ التي نصت عليه الورقة، 222 ألف ليرة بعد زيادة الضريبة على القيمة المضافة، ويسعى كل من الشبان البائعين إلى دفعها بأقرب وقت عندما يغرّمون خوفاً من أن تُدرج مخالفة على سجلهم، وفي حال تم القبض عليهم وطُلبت نشرتهم، فإنهم يغرمون ضعف هذا المبلغ. ويجمع جمال و»زملاؤه» على أن هذا «ظلم في حقنا». تجمهر «البائعون» في بقعة واحدة للكلام مع فتاة، يثير ريبة الدركي فيقترب «للاطمئنان». وإذ تشير الفتاة إلى أنها دردشة عادية، ينصرف من دون أن يتعرض لأي منهم. حظّ هؤلاء الشبان محصور إلى حد ما بزبون غير مبال يدفع من دون أن يسأل عن السعر، وعند السؤال إن كان يجوز «استغباء» الناس، وبيعهم بضائع زهيدة الثمن بمبالغ كبيرة، وإذا ما كان ذلك يعد سرقة، يتدخل جمال ويقول: «هل تعلمين أن 777 لبنانياً يملكون 78 في المئة من الدخل في لبنان، في حين أن حوالي 4 ملايين نسمة يملكون الـ 12 في المئة المتبقية؟ عن أي سرقة تتكملين؟ نحن من نسرق؟». يقول جمال إنه قرأ هذه المعلومات في مجلة ما، «فأنا أعرف القراءة والكتابة، وخطي جميل». يُقاطع جمال زمور سيارة. يدير وجهه ويتكلم مع السائق. ويعود مبتسماً: «إنه يسأل عن فرعنا الثاني». يضحك الشباب جميعهم، فالــــسائق يريد آلة حلاقة، ولكن بحسب الشبان فإن العاملين في منطقة الدورة متخصصون في بيع مثل هذه البضاعة. تمتد زحمة السير لتصل إلى مكان تجمعهم، فيعتذرون: «لقمة العيش تنادي»، وينصرفون مجدداً إلى نوافذ السيارات، يحاولون «الاسترزاق».
تصنيف: المرأة والمجتمع
ناقش
اخفي
|
تعليقات