![]() |
|
|
صوتكم هو موقع اجتماعي اخباري يتيح للزوار اضافة أخبار أو مواضيع والتصويت أو التعليق عليها وذلك بطريقة سهلة وسريعة
اقرأ المزيد
دخول
الأقسام
|
الأستاذ جهاد فاضل كاتب لبناني مرموق، وناقد موهوب، كتب مقالاً في العدد الأخير من مجلة «وجهات نظر» المصرية (أبريل 2008)، لفت نظري بشدة عنوانه ومحتواه، إذ وجدته يتناول فكرة خطيرة تثير الكثير من الفكر، وإذا صحّت فإنها تثير أيضاً الكثير من الهموم.
المقال بعنوان «احتضار الفكر العربي» ويبدأ بالفقرة الآتية: «قال لي مستعرب فرنسي، محب للعرب، ومطلع اطلاعاً جيداً على ثقافتهم، ومشهور بدفاعه عنهم في منابر بلاده الأكاديمية والإعلامية، إن العرب غائبون غياباً تاماً عن حركة الفكر العالمي، غير مؤثرين فيها أو مضيفين إليها، أو حتى مطلعين عليها الاطلاع الكافي». وبقية المقال يدور حول هذا المعنى، يقدم عليه الأدلة، فإذا بنا نجد طبقاً لرأي المستعرب الفرنسي (ومن الواضح أنه أيضاً رأي جهاد فاضل كاتب المقال)، إن الأدب والفلسفة والبحوث العلمية بشتى أنواعها، تدهورت تدهوراً هائلاً في العالم العربي، حتى ليكاد يصح وصف حالة الثقافة العربية الآن بأنها «في دور الاحتضار». فلنأخذ الفلسفة مثلاً، يقول إننا إذا نظرنا إلى كتابات عبدالرحمن بدوي عن «الزمان الوحدوي» أو عثمان أمين عن «الجوانية»، أو محمد الحبابي عن «الشخصانية»، أو توفيق الحكيم عن «التعادلية»، نجدها كلها، على حد تعبير المستعرب الفرنسي، ليست إلا «محاولات بائسة لم تصمد واحدة منها مع الزمان». أما في الشعر فإن ما أضافته قريحة الشعراء العرب في نصف القرن الأخير لا يزيد على إدخال القصيدة النثرية التي يصفها أصحافها بالحداثة وليس لها من الحداثة إلا الشكل، بينما تفتقد أبرز خصائص الشعر العربي القديم، الذي يصفه الرجل بأنه «واحد من أعظم تراثات الشعر في العالم» وهذه الخصوصية هي أن تتضمن القصيدة «معنى». فهذا الشعر العربي الحديث في رأيه يفتقد المعنى، ويضيف «إذا صح» الغموض في الشعر، وهو صحيح طبعاً، فلا يصح الإبهام المطلق. وحال الرواية والقصة في رأيه ليس أفضل كثيراً، إنه لا يقول بصراحة إن الروايات العربية الحديثة لا تعجبه، ولكنه يقول إن المجاملات في حركة النقد العربي كثيرة إلى درجة غير مقبولة، فيقول «أية قيمة لدراسة حول رواية لروائي عربي ماركسي، على سبيل المثال كتبها ناقد ماركسي أنبرى لنصرة (رفيق) له مدفوعاً بنخوة أخوة السلاح الأيديولوجي؟». وعلى ذكر الماركسية، ماذا أضاف الماركسيون العرب إلى الفكر الماركسي: «هل تداول مثقف واحد في العالم كتاباً أو نظرية ذكر أنها لفكر ماركسي عربي»؟ يضيف جهاد فاضل، في المقارنة بين جيل العمالقة كطه حسين ومحمد مندور وعبدالقادر القط ولويس عوض.. الخ، الذين يسميهم «المعلمين الخالدين». والذين ذهبوا للدراسة في أوروبا ثم عادوا ليقوموا بعملية التلقيح والتفاعل المطلوبة بين الثقافة الغربية والعربية، في المقارنة بين هذا الجيل وبين الجيل الحالي من المثقفين العرب الذين يذهبون للدراسة في الخارج ثم يعودون وهم لا يجيدون حتى اللغة الأجنبية التي تعلموا بها، ولا يجيدون لغتهم العربية التي يكتبونها بعد عودتهم. أغلب الكتاب والمثقفين العرب، في رأي جهاد فاضل مشغولون بالماضي لا بمشاكل الحاضر ولا بالمستقبل. بل يقتطف قولاً للكاتب التونسي هشام جعيط مقترنا بما يوحي بأنه يؤيده في هذا القول وهو: «إنه لا وجود لمثقف عربي باستثناء قلة قليلة جداً. كما لا وجود لمفكرين، وذلك لأن هم هؤلاء هو ادعاء التفكير فيما هو سياسي، وليس بصفة نظرية بل بشكل آن، ويتخذ موقفاً دفاعياً وهذا ليس فكراً». شعرت بأهمية هذا المقال بمجرد قراءته، ليس فقط لأهمية موضوعه ولكن لأنه، في رأيي، ينطوي على كثير من الحقيقة. لا شك عندي في أن الفكر العربي في الوقت الراهن، ولفترة طويلة سابقة، يتسم بدرجة عالية من العقم، فهو مقلد أكثر منه مبدع، ومشغول بقضايا جارية أكثر منه بقضايا نظرية، وصحيح ما يشير إليه المستعرب الفرنسي، وأن موقف الكتاب أو المفكرين العرب من الفكر الغربي يتسم بالنقل أكثر من التفاعل معه وتخصيبه بمعرفة واسعة بالتراث العربي . وأن الكتاب العرب الذين ظهرت ولمعت أسماؤهم في النصف الأول من القرن العشرين كان من بينهم من يجيد لغة أجنبية إلى جانب إجادة العربية بمستويين أصبحا في غاية الندرة الآن، أين لنا اليوم بكاتب يجيد الانجليزية والعربية بالدرجة التي كان يجيدهما لويس عوض أو يقدم لنا ترجمات جميلة ودقيقة مثل التي كان يقدمها محمد عوض أو محمد بدران؟. صحيح أيضاً أن النقد الأدبي في العالم العربي مليء بالمجاملات التي تضرب عرض الحائط بالتحليل الموضوعي للعمل الأدبي والتقييم المنزه عن الغرض، في هذا الميدان أيضاً من الممكن أن نقول إن النقد الأدبي العربي كان في النصف الأول من القرن العشرين أفضل منه بكثير في النصف الثاني، فقد كان النقاد حينئذ أكثر التزاماً بالعدل وأقل ميلاً للمجاملة. ربما كان من الممكن أيضاً إصدار حكم مماثل على حالة الرواية والقصة، هل ظهر في الرواية من يضارع أو يقارب في المكانة نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم والطيب صالح؟ وهل ظهر في القصة القصيرة من يضارع يوسف إدريس لا أظن وفي البحث التاريخي، هل رأينا منذ منتصف القرن العشرين من له صبر الرواد الأوائل الذين كتبوا في العشرينات والثلاثينات إلخ. كل هذا صحيح، أو يبدو لي كذلك، ولكن قليلاً من التأمل لحالة الأدب والفكر في خارج العالم العربي، كفيل بأن يقلل من حزننا ويعطينا الكثير من العزاء، إذ ليست الظاهرة عامة، ولا أقصد «احتضار» الفكر، فالفكر العربي أيضاً ليس في حالة احتضار، بل أقصد التدهور العام، وضعف الميل إلى الإبداع، وقلة الصبر على البحث وزيادة الميل إلى التقليد. انظر إلى بريطانيا مثلاً: هل عرف المسرح البريطاني مؤلفاً بحجم وقيمة برنارد شو، ليس فقط في فنه بل وفي غزارة فكره؟ وهل يمكن مقارنة كتابات أرنولد توييني في التاريخ في النصف الأول من القرن بكتابات إيريك هوبسباوم مثلاً في النصف الثاني؟ إننا نصل إلى نتيجة مماثلة بتأمل الحال في فرنسا، إذا تذكرنا بروست في الأدب، أو برجسون في الفلسفة، وفي الولايات المتحدة، إذ تذكرنا همنجواي في الأدب أو وليام جيمس في الفلسفة، ناهيك عما حدث للأدب الروسي بعد قيام الثورة الروسية. هل سمعنا عن كاتب ومفكر هندي يتردد اسمه في أنحاء العالم مثلما كان يتردد اسم طاغور في النصف الأول من القرن العشرين؟ أو سمعنا عن أفلام سينمائية تحظى بإعجاب العالم كله مثلما حظيت أفلام شارلي شابلن أو الأفلام البريطانية في أوائل ومنتصف القرن؟ شيء مهم وسيء للفكر في العالم وليس في العالم العربي وحده، فما هو يا ترى؟ سأحاول الإجابة عن هذا السؤال في المقال التالي
تصنيف: فن وأدب
ناقش
اخفي
|
تعليقات